كيف بدأت رحلتك الفنية؟
لقد نشأت في بيت امتلأت جدرانه باللوحات والرسوم. فوالدي كان يرسم، وقد رسم آخر لوحاته عندما كان عمري شهران. لم أتصور قط في صغري أن لدي الميل لأن أكون فنانة. لكن في السابعة عشرة من عمري بدأت الرسم على الحرير، وقد سحرتني هذه البيئة الفنية، فقررت أن ألتحق بمدرسة الفنون بعد تخرجي من الثانوية العامة، وكانت هذه هي بداية رحلتي الفنية.
تونس؟ تونسية؟ شمال إفريقيا وثقافة أمازيغ البربر. ماذا كان دور تلك العوامل في فنك؟ كيف ساهمت في تشكيله؟
خلفيتي التونسية الشمال إفريقية شكَّلت شخصيتي، وبالتالي فني. أما بالنسبة لثقافة الأمازيغ/البربر، فأنا أود الإشارة إلى أنها كانت مدمجة في الثقافة العربية السائدة في تونس. بل يمكنك القول إنها اندمجت تماماً لدرجة أنها اختفت. لدينا مثلاً شوارع مسماة تيمناً بالكاهنة، وهي زعيمة دينية وعسكرية بربرية قامت بتنظيم المقاومة في وجه الغزاة العرب. لقد تعلمنا هذا في المدرسة، لكن بالنسبة لغالبية التونسيين، يظل الوعي بهذه الثقافة بعيداً وغير واقعي. وهناك أقلية بسيطة جداً هي التي تحتفظ باللغة. إن وضعنا في تونس يختلف عن الجزائر، حيث توجد خلافات واسعة النطاق بين الغالبية ذات الهوية العربية وبين الأهالي البربر، كما يختلف أيضاً عن المغرب، حيث يوجد أكثر من 60% من ذوي الهوية البربرية المتحدثين بلغة الأمازيغ.
ذُكِر عنك أنك قلت: “لطالما كان الشعر عنصراً محورياً في ممارستي الفنية، فهو مصدر إبداعي ومنهجيتي في التفكير. وسواء في صوري التجريدية أو في تعاملي مع النصوص، فأنا أنظر إلى كل الخطوط التي أخطها فوق لوح الرسم على أنها كلمات، أو كائنات رمزية معبرة عاطفياً، قد تكون غير قابلة للتفسير على الإطلاق.”
من الشعراء الذين أثروا فيك؟
هناك شعراء كثيرون أثروا فيّ، من أهمهم أدونيس وبوديلير. وأنا حالياً أتبحر في أعمال بورهيز. لقد نشأت وأنا أتلو أشعار أبي القاسم الشابي. وفي مرحلة ما في بداية مراهقتي، وقعت في هوى عالم جاك بريفور. كلاهما جعلني أرغب في كتابة الشعر، وقد خرجت من قراءتهما بطاقة إبداعية وحرية لخوض التجارب. عندما بدأت الرسم، كنت أرغب بشدة في أن أمارس العمل بروح الشاعرة. كان اهتمامي بالسرد قليلاً، واهتمامي بالجانب النظري أقل. لكن الأمور اختلفت بعض الشيء منذ ذلك الحين.
أنت تعالجين قضايا عديدة من خلال فنك. فبالإضافة للفضاء والفلسفة، أنت تعالجين قضايا اجتماعية مثل العنصرية، والعمل الخيري، والدعاية الإعلامية. كيف حققتِ ذلك من خلال كتابك “ثقافات الحرب”؟
جاء كتاب ثقافات الحرب نتاج تجربة حياتي في الولايات المتحدة أثناء فترة التجهيز للحرب على العراق وخلال الاحتلال الفعلي. كنت أحاول فهم سبب استجاب الشعب الأمريكي لشعارات مثل “سنحررهم ونأتي لهم بالديمقراطية!” كما أنني كنت أترنح نتيجة تجاربي مع بعض الجماعات المناهضة للحرب، والتي كانت – برغم معارضتها الشديدة للحرب – تشترك مع خصومها السياسيين في نفس الأسلوب المتعالي تجاه العراقيين. كيف يمكن لشخص لا يعرف لغة القوم أو تاريخهم أو ثقافتهم أن يمتلك كل هذه الثقة في قدرته على إنقاذهم – سواء من قبضة صدام أو قبضة الجيش الأمريكي؟ لهذا أردت أن أستكشف خصائص الثقافة الأمريكية التي جعلت بعض الأمريكيين قابلين للتأثر بمثل تلك الأفكار. وأنا أختم الكتاب بمقطع للشاعر الباكستاني فايز أحمد فايز، قامت بترجمته الأمريكية ناعومي لازارد: لعله يأتي على القصيدة يوم تنكشف لك فيه / بعد أن قُتِلت ولا زال دمها يراق على كل الصفحات.
ما هو الدور الذي يلعبه كونك امرأة “عربية” في فنك؟
كوني عربية، مسلمة، إفريقية، فرانكفونية، بل وحتى امرأة، كلها إلى حد ما مفاهيم ثقافية ليس لها معنى ثابت. فهي تتطور وتنضج مع تطور الأشخاص الذين يحملون تلك الهويات. وكلها كان لها في حياتي معانٍ مختلفة في أوقات وسياقات مختلفة.
لنأخذ على سبيل المثال كوني عربية – أو “عربية” كما شددت في كتابتها. فعندما كنت فنانة شابة في تونس، كان هذا يعني لي إحساساً أكثر رحابة بالانتماء يتخطى مجرد هويتي التونسية. كنت أحاول تعلم كل ما بإمكاني عن الرسوم العراقية الحديثة والمعاصرة، وكيف ساهمت في مفاوضات القضايا الثقافية في ذلك الوقت. عندما كنت أكتب “عربية”، كنت أجد صدى ذلك في مقولة محمود درويش “سجِّل، أنا عربي”، والتي تمثل في السياق الفلسطيني صيغة تأكيد ووقفة تحدٍ في وجه اضطهاد هائل. للأسف لم يتغير الاضطهاد في السياق الفلسطيني في حياتي. فأثناء فترة مراهقتي، كنت أتفاعل مع روح التحدي لدى درويش، رغم أنه لم يكن هناك قمع لهويتي العربية في تونس.
عندما انتقلت لمدينة نيويورك وقابلت عرباً من المشرق، أدركت أن الأمر يعني لهم شيئاً مختلفاً عما كان يعنيه لي. فقد قابلت أناساً تحمل لهم هويتهم العربية معنًى عرقياً قوياً، وهذا الحس العرقي نادراً ما يترك مساحة لأي مظهر آخر من مظاهر الهوية العربية. فعلى سبيل المثال، ليس كل الصوماليين يتحدثون اللغة العربية، لكنهم يُعتبرون عرب. كما أنه بالنسبة لكثير من العرب الذين ولدوا أو عاشوا هنا لفترة طويلة، تُعرّف العروبة بصورة تكاد تقتصر تماماً على أساس اختلافها عن الثقافة المعادية السائدة.
وبينما كانت العروبة تعني لي أدونيس والمتنبي، فإنها كانت تعني لهم الإحساس بأنهم ضحايا. فبعضهم لم يكن يتحدث اللغة العربية، وبالتالي لم يكن المتنبي يعني لهم أي شيء. ولأجيب على سؤالك عن الدور الذي يلعبه كوني عربية في فني، فإنه يظهر من خلال الشعر. فبالرغم من أن الشعر ليس حكراً على العرب، إلا أنه أكثر الفنون احتراماً وتقديراً في المجتمعات العربية. ومعرفة اللغة تمثل مزية هائلة.
Share
USD




great congratulations u have the talent
كم هي رائعة لوحات آمنة هذه وكم كلامها الذي يجمع بين التحليل المعمق والصادق على خلفية شعرية, اللوحات كماالكلام يجسمان في رأيي تلك القدرة على التعامل مع ثقافات عديدة وألوان وأشكال ودمجها في لون تأليفي واحد أو الابقاء على اختلاف معبر ومتناغم ورائع .
شكرا للمجلة على فتح صفحاتها على هذه الفنانة العربية التونسية الفرنكوفونية والانقلوفونية المتميزة
كم هي رائعة لوحات آمنة هذه وكم كلامها الذي يجمع بين التحليل المعمق والصادق على خلفية شعرية, اللوحات كماالكلام يجسمان في رأيي تلك القدرة على التعامل مع ثقافات عديدة وألوان وأشكال ودمجها في لون تأليفي واحد أو الابقاء على اختلاف معبر ومتناغم ورائع .
شكرا للمجلة على فتح صفحاتها على هذه الفنانة العربية التونسية الفرنكوفونية والانقلوفونية المتميزة